المشهد الأول

كُتِبَ هذا المشهد الأول في تشرين الثاني من عام ٢٠٢١.

لكن القصة في أصلها وُلِدَت على طاولةٍ صغيرة داخل غرفة فندق في دبي، في ليلة رأس السنة، عام ٢٠١٦.

اِبقَ حيًّا

ملاحظة: تعودُ أحداث قصة هذه المسرحية إلى عام ٢٠١٢، في سوريا.

كان البيت ساكنًا على غير عادته.

إلى جانب باب المنزل وُضِعَت غسالةٌ تعلوها سلةُ غسيل. على يمين المكان غرفتا نوم متجاورتان، وعلى اليسار غرفة نومٍ كبيرة وبجوارها حمّام، وفي المنتصف مطبخٌ صغير تتوسّطه طاولة طعام تتّسع لأربعة أشخاص.

كان العشاء جاهزًا على الطاولة، وكل الأبواب مُغلقة.

خرجتْ سالي، ذات الستة عشر عامًا، مُسرعةً من الحمّام، تحملُ بين يديها قميصًا أبيض. ركضتْ نحو الغسالة، جثتْ على ركبتيها، وأدخلتْ القميص بسرعة، تتلفّتْ حولها لتتأكّد أنّ أحدًا لم يرَها. سكبتْ مسحوق الغسيل، ثم وقفتْ.

في تلك اللحظة، ظَهَرَ شقيقها سليم—اِبن الثامنة عشرة—من خلفها، ومدَّ يده فجأة، منتزعًا القميص الأبيض من داخل الغسالة.

قال بِحِدّة:

«ما هذا يا سالي؟»

اِرتبكتْ وقالتْ بسرعة:

«لا شيء مهم.»

حدّقَ في القميص، ثم قالَ بنبرةٍ غاضبة:

«لا شيء مهم؟! ألا ترين الدم عليه؟! اِشرحي لي ما هذا.»

قالتْ بعصبية:

«قلتُ لك إنه ليس مهمًا، توقّف عن الإلحاح!»

حاولتْ التوجّه إلى غرفتها، لكن سليم أمسكَ بذراعها اليسرى بقوّة. تأوّهت من الألم.

قالَ وهو يرفع كُمّ سترتها:

«ما الذي في ذراعك؟ أريني.»

قالتْ متألمة:

«توقّف يا سليم، لا شيء… أنتَ فقط آلمتني.»

صرخَ فجأة:

«توقّفي عن الكذب! سألتكِ ما هذا الدم على القميص؟»

وضعتْ يدها على فمه بسرعة وهمستْ بخوف:

«لا تصرخ! أمي ستسمعك!»

قالَ وهو يبعد يدها:

«إذن أخبريني بما يحدث كي أتوقّف.»

أمسكتْ بذراعه وسحبتهُ إلى غرفتها، وأغلقتْ الباب خلفها مواربًا.

قالتْ بصوتٍ مرتجف:

«عليكَ أن تعدني أولًا أنك لن تخبر أحدًا.»

نظرَ إليها بقلق:

«هل أنتِ متورّطة فيما أفكِّرُ فيه؟»

تَسارَعَ نَفَسُها، ثم هزّت رأسها بالإيجاب

تراجعَ خطوة، ثم اِقتربَ منها مجددًا:

«أريني ذراعك. الآن.»

رفَعَتْ كمّها، فظهرَ ضمادٌ أبيض كبير يغطّي ذراعها بالكامل.

قالتْ بسرعة:

«ليس كما تظن… لم يكن خطئي. كُنتُ أقِفُ مع ماسة حين اِنفجرت السيارة. ريم كانت بداخلها.»

تنفّسَ سليم بغضب:

«قلتُ لكِ ألف مرة اِبتعدي عن ريم، لكنكِ لم تستجيبي.»

قالتْ بصوتٍ خافت:

«هي صديقة طفولتي يا سليم.»

ردَّ بمرارة:

«لكنها اِختارت أن تكون واحدةً منهم.»

رفعتْ رأسها بعينين دامعتين:

«تتحدث عنها وكأنكَ لست منهم أيضًا! لقد رأيتُ السِّلاح في درجك، فلا تَلُمها. هي ماتت الآن… بل قُتِلَت. كانت السيارة مليئة بأصدقائها، وما إن ركبت وأغلقت الباب حتى اِنفجرت.»

نظرَ سليم إلى القميص مجددًا:

«وماذا عنكِ؟ عن ذراعك؟»

بدأتْ تروي، وصوتها يرتجف:

«كنتُ أنا وماسة نُغادر المدرسة كعادتنا، ثم رأينا ريم. تبعناها بِصمت، واِختبأنا خلف إحدى الجدران حين رأيناها تصعد إلى سيارة أصدقائها. بعد الاِنفجار اِقتربنا لنرى ما حدث، لكن فجأة ظهرَ شُرطيّ من خلفنا وقال:

“أنتما… من أنتما؟”

لم نلتفت كي لا يرى وجوهنا.»

قال سليم بقلق:

«ثم؟»

قالتْ:

«أخرجَ سلاحه، وأطلقَ النار في الهواء، وقال:

“لا تتحرّكا، واِستديرا ببِطء.”»

«ثم؟»

اِبتلعتْ ريقها:

«عِندها عرفتُ أن لديَّ خيارين: إمّا أن أستسلم وأُظهر وجهي—والموت مؤكّد—أو أهرب دون أن ألتفت. في الخيارين الموت قريب… لكن في الثاني إن كنتُ محظوظة قد أنجو إن أخطأ التصويب.»

أغمضتْ عينيها ثم أكملتْ قائلة:

«قُلتُ لماسة أن تركض. عندها أصابني في ذراعي.»

خفضتْ صوتها:

«لففتُ ذراعي وأنا أركض، وتأكدتُ ألا يسقُطَ الدم على الأرض.»

سألها بذهول:

«كيف نجوتِ؟ مستحيل أن يدعوكِ وشأنكِ.»

قالت:

«هربنا معًا، وفي طريقٍ ضيّق، ركضَ كلٌّ منا في اتجاهٍ مختلف. اِختار أن يتبعني أنا. ماسة نجت… أما أنا…»

«أما أنتِ؟!»

تنهَّدَتْ:

«ركضتُ، ثم اِختبأت. حبستُ أنفاسي كي لا يشعرَ بوجودي. ظننتُ أنه لن يفعل… لكنه فعل.»

اِقتربَ منها بخوف:

«لماذا توقفتِ؟ أكملي يا سالي. ماذا حدث؟ هل آذاكِ؟ قولي!»

اِنهمرتْ دموعها:

«لقد قتلتُه.»

تراجع سليم وهو يلهث:

«كيف؟»

قالتْ وهي تبكي:

«لقد وضَعَ السِّلاح على رأسي وقال: “لا تتحركي.” أمسكَ بذراعي المصابة، وأخرجني من مخبئي، ثم أمَرَني أن أستدير. لم أفعل. صرَخَ بصوتٍ مخيف: “قلتُ استديري!” شدَّ ذراعي بقوّة… أغمضتُ عيني.»

صرخَ سليم:

«لقد رأى وجهَكِ… لا يا سالي، لا!»

قالتْ بسرعة:

«ضربتهُ في مكانٍ حساس، فسقطَ السِّلاح من يده. حاولتُ أخذه، لكنه دفعني فسقطتْ. اِنحنى ليمسكه، فركلته بكل ما أملكُ من قوة، وأخذتُ السلاح… وأطلقتُ النار.»

قالَ بقلقٍ ساخر:

«وماتَ من رصاصة واحدة؟! سيُنقذونه، وسيعرفون وجهكِ، وس—»

قاطعتهُ بثبات:

«أطلقتُ عليه تسع رصاصات.»

شهقَ:

«ماذا؟ تسعة؟!»

قالتْ بثقة مخيفة:

«لم يكُن لدي خيار آخر. هم لا يموتون. تقتلهم مرة، فيعيشون مئة مرة. اِقتربتُ وتأكدتُ أنه لا يتنفس.»

مرّرَ سليم يديه على جبينه:

«رائع… هذا جعلني أطمئنُ كثيرًا. وماذا عن الجثة؟ والدم؟ وبصماتكِ؟ وحذاؤكِ؟»

نظرتْ إليه بصمت.

«سالي؟»

قالتْ باكية:

«تركتهُ هناك… لكنني مسحتُ بصماتي عن سلاحِه، وتأكدتُ أن ذراعي لا تنزف. نزعتُ حذائي ووضعتهُ في حقيبتي. كنتُ أنوي حرقه غدًا… لكنني لم أعرف ماذا أفعل بجثته… أين أدفنها؟ الأرض كلّها مرصوفة لا يمكنني حفرها… والمقبرة بعيدة… ولا أملكُ سيارة… وحتى لو… لا أستطيعُ فعل ذلك في وضحِ النهار.»

سألها بهدوء:

«أين الجثة الآن؟»

قالتْ:

«أتَذكُرْ المكان الذي كنّا نلعبُ فيه الغميضة مع ماسة ومروان وملهم وماهر وماريا؟ ذاكَ المُحاط بجدرانٍ منخفضة، وفيه أرجوحات؟»

اِبتسم بحزن:

«أعرفه.»

قالتْ بصوتٍ مكسور:

«جُثته هناك… ترقُدُ بين الأرجوحات.»

اِقتربَ منها وقبّلَ جبينها:

«مهما حدث، لا تخبري أمي وأبي بشيء. مفهوم؟»

نظرتْ إليه:

«إلى أين ستذهب؟»

قال بِحزم:

«اِحفظي السلاح الذي رأيتِهِ في درجي، ولا تستخدميه. لكن إن تجرأ أحد هؤلاء القذرين أن يلمس شعرةً منك… عِندها فقط يحقُّ لكِ اِستخدامه. اِتفقنا؟»

هزّتْ رأسها موافقة، ثم عانقَته:

«أنا آسفة.»

اِبتسمَ اِبتسامة خفيفة:

«لا تعتذري عن دفاعكِ عن نفسك. أنا لستُ أخًا سهلًا… سأكونُ بخير.»

فتحَ الباب وغادَر.

اِنخفضتْ الأضواء.

وصلَ سليم إلى المكان، وقد لفَّ قدميه بأكياسٍ بلاستيكية، واِرتدى قفازاتٍ سوداء. بدأَ يبحث بين الأرجوحات، يحدّق في الأرض بحثًا عن دم… لكن لا شيء.

كأنّ شيئًا لم يحدث أبدًا.

لمَحَ شيئًا يلمع تحت إحدى الأرجوحات. اِنحنى واِلتقطه.

كانت قلادة سالي.

وفجأة—

ضربةٌ قوية بعصا خشبية ثقيلة على مؤخرة عُنقه.

سقطَ أرضًا فاقدًا الوعي.

نهاية المشهد الأول