الأرض الأولى

ملاحظة: هذه رواية مكتملة، وما ستقرؤونه الآن في الأرض الأولى هو جزء من الفصل الأوّل من القصة.

عند الساعة الثالثة فجرًا:

وصلنا. نزلتُ من الطائرة، غادرتُ المطار، وما إن وطأتُ مدينة الأضواء حتى فاجأتني. كانت المدينة صاخبة، تضجّ بالحياة؛ الناس يرقصون ويغنّون ويضحكون بصوتٍ عالٍ.

رفعتُ بصري إلى السماء. كان الضجيج يبلغ حدًّا ترتدّ معه الأصداء إلى قلب الليل الساكن. وفجأةً، وقف أحدهم أمامي بينما كنتُ أحدّق في الأعلى، وقال صارخًا:

«مرحبًا، أيتها الجميلة!»

نظرتُ إليه.

«مرحبًا.»

«هل ترغبين في شراب؟»

«لا، شكرًا. لا أريد أن أشرب شيئًا.»

كان كلانا يصرخ لشدّة ارتفاع الموسيقى.

سألني:

«هل أنتِ سائحة؟»

وضعتُ يدي اليسرى على أذني محاوِلةً أن أسمعه.

«عذرًا؟»

«قلتُ: هل أنتِ سائحة؟»

«نعم.»

«إذًا اتبعيني.»

فسألته:

«إلى أين؟»

أمسكَ بيدي واقتادني إلى طاولةٍ متوهّجة.

«اجلسي هنا»، قال، ثم مضى.

«لكن إلى…؟!» أردتُ أن أستفسر أكثر، غير أنّ الموسيقى ابتلعت صوتي، فصمتُّ.

نظرتُ إلى الجهة اليمنى. كانوا يرقصون على حلبة الرقص، يضحكون ويشربون. ثم صرخ نفس الشخص من الجهة الأخرى:

«اشربي هذا!»

جلسَ على الكرسي المقابل لي وهو يبتسم. اكتفيتُ بالنظر إليه بصمت.

فقال:

«هذا شرابُنا الخاص لكلّ السائحين الجدد الذين يأتون إلى مدينتنا.»

ابتسمتُ.

«آه، شكرًا، لكنني لا أشرب الكحول.»

ضحك قائلًا:

«لا تقلقي، لا كحول فيه. نحن لا نشرب الكحول هنا. إنّه مجرّد عصيرٍ ملوّن بنكهة فاكهةٍ خاصّة.»

بادلته الابتسامة.

«هل ترغبين في الرقص؟»

«لا، شكرًا. في الحقيقة يجب أن أذهب.»

«إلى أين؟»

«إلى جزيرة ديغوستد.»

«لا أسمعكِ! إلى أين قلتِ؟»

اقتربَ نحوي، فاِقتربتُ نحوه أيضًا، قائلة:

«إلى جزيرة ديغوستد»

فجأةً، أسندَ ظهره إلى الخلف ببطء. بدأَت ابتسامته تتلاشى. حدّق فيّ بنظرةٍ غريبة، كادت تكون مخيفة، ثم نهضَ وغادرَ مُسرعًا.

«أنت… انتظر… إلى أين تذهب؟!» صرختُ وأنا أراقبه يبتعد، لكنه لم يُجب، ولم يلتفت حتى.

أدرتُ وجهي وهمستُ لنفسي:

«غريب!»

نهضتُ واتّجهتُ نحو الشاطئ، تاركةً الضجيج خلفي.

حين وصلت، وجدتُ عددًا كبيرًا من القوارب.

«مرحبًا»، قلتُ لرجلٍ مسنّ يقف بجانب أحد القوارب الخشبية.

«مرحبًا.»

«اسمي لوسي، وأنا من شركة لوسي للسفر والسياحة.»

«أهلًا بكِ يا ابنتي. كيف أساعدك؟»

«إنني أرغبُ في الذهاب إلى جزيرة ديغوستد، ولا أعرف أيّ قاربٍ يجب أن أستقلّه!»

ارتبكَ الرجل فجأة.

«ماذا؟! لا!»

«عفوًا؟!»

قال بصوتٍ مرتجف:

«إنها… إنها مغلقة.»

«مغلقة؟!» عقدتُ حاجبيّ ونظرتُ إلى القوارب الأخرى. «لكن الناس ما زالوا يركبون القوارب!»

قال بتوتّر:

«قلتُ لكِ إنها مغلقة. لا توجد لديّ رحلات إلى تلك الجزيرة.»

«لكن اسمع، أنا—»

«من فضلكِ… لا رحلات. إنها جزيرة نائية، ولا أحد يستطيع أخذكِ إليها في هذا الوقت.»

«حسنًا، آسفة!» قلتُ، وقد تسلّل إليّ شعورٌ غريب.

عدتُ أدراجي وأنا أفكّر في وجه الرجل العجوز—كيف تغيّر فجأة!

توقّفتُ قليلًا أراقبه.

ثم نظرتُ إلى ساعتي—كانت الثالثة وتسعًا وعشرين دقيقة فجرًا.

فجأةً، سمعتُ صوتًا يناديه من بعيد:

«يا أخي!»

نظرتُ إليه، فغادر مكانه ليحادث الشخص.

لم يكن أحدٌ يحرس القوارب.

أسرعتُ، أخذتُ القارب الخشبي الصغير، وبدأتُ أُبحر مبتعدة.

بعد أن ابتعدتُ قليلًا، انتبه الرجل العجوز وعاد مسرعًا إلى مكانه. رآني وبدأ يصرخ:

«أيتها الفتاة! عودي! ستَهلِكين هناك! أرجوكِ عودي!»

نظرتُ إليه من الخلف، وجذّفتُ بأقصى سرعةٍ أستطيع، كي لا يتمكّن من اللحاق بي.

ثم همس لنفسه:

«أنتِ في خطر… خطرٍ كبير جدًا.»

وبحلول اللحظة التي قال فيها ذلك، كنتُ قد ابتعدتُ كثيرًا، تلاشى جسدي عن نظره، واختفيتُ في عتمة البحر.

كانت تلك آخر مرةٍ أرى فيها مدينة الأضواء.

عند الساعة 3:29 فجرًا.